فخر الدين الرازي

33

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ طوافه صلوات اللَّه عليه تلك الليلة على الساجدين . وثانيها : المراد أنه عليه السلام كان يصلي بالجماعة فتقلبه في الساجدين معناه : كونه فيما بينهم ومختلطا بهم حال القيام والركوع والسجود . وثالثها : أن يكون المراد أنه ما يخفى حالك على اللَّه كلما قمت وتقلبت مع الساجدين في الاشتغال بأمور الدين . ورابعها : المراد تقلب بصره فيمن يصلي خلفه ، والدليل عليه قوله عليه السلام : « أتموا الركوع والسجود فإني أراكم من وراء ظهري » فهذه الوجوه الأربعة مما يحتملها ظاهر الآية ، فسقط ما ذكرتم . والجواب : لفظ الآية محتمل للكل ، فليس حمل الآية على البعض أولى من حملها على الباقي . فوجب أن نحملها على الكل وحينئذ يحصل المقصود ، ومما يدل أيضا على أن أحدا من آباء محمد عليه السلام ما كان من المشركين قوله عليه السلام : « لم أزل أنقل من أصلاب الطاهرين إلى أرحام الطاهرات » وقال تعالى : إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ [ التوبة : 28 ] وذلك يوجب أن يقال : إن أحدا من أجداده ما كان من المشركين . إذا ثبت هذا فنقول : ثبت بما ذكرنا أن والد إبراهيم عليه السلام ما كان مشركا ، وثبت أن آزر كان مشركا . فوجب القطع بأن والد إبراهيم كان إنسانا آخر غير آزر . الحجة الثانية : على أن آزر ما كان والد إبراهيم عليه السلام . أن هذه الآية دالة على أن إبراهيم عليه السلام شافه آزر بالغلظة والجفاء . ومشافهة الأب بالجفاء لا تجوز ، وهذا يدل على أن آزر ما كان والد إبراهيم ، إنما قلنا : إن إبراهيم شافه آزر بالغلظة والجفاء في هذه الآية لوجهين : الأول : أنه قرئ وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ بضم آزر وهذا يكون محمولا على النداء ونداء الأب بالاسم الأصلي من أعظم أنواع الجفاء . الثاني : أنه قال لآزر : إِنِّي أَراكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ وهذا من أعظم أنواع الجفاء والإيذاء . فثبت أنه عليه السلام شافه آزر بالجفاء ، وإنما قلنا : أن مشافهة الأب بالجفاء لا تجوز لوجوه : الأول : قوله تعالى : وَقَضى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً [ الإسراء : 23 ] وهذا عام في حق الأب الكافر والمسلم ، قال تعالى : فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُما [ الإسراء : 23 ] وهذا أيضا عام . والثاني : أنه تعالى لما بعث موسى عليه السلام إلى فرعون أمره بالرفق معه فقال فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى [ طه : 44 ] والسبب فيه أن يصير ذلك رعاية لحق تربية فرعون . فههنا الوالد أولى بالرفق . الثالث : أن الدعوة مع الرفق أكثر تأثيرا في القلب ، أما التغليظ فإنه يوجب / التنفير والبعد عن القبول . ولهذا المعنى قال تعالى لمحمد عليه السلام : وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [ النحل : 125 ] فكيف يليق بإبراهيم عليه السلام مثل هذه الخشونة مع أبيه في الدعوة ؟ الرابع : أنه تعالى حكى عن إبراهيم عليه السلام الحلم ، فقال : إِنَّ إِبْراهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ [ هود : 75 ] وكيف يليق بالرجل الحليم مثل هذا الجفاء مع الأب ؟ فثبت بهذه الوجوه أن آزر ما كان والد إبراهيم عليه السلام بل كان عما له ، فأما والده فهو تارح والعم قد يسمى بالأب على ما ذكرنا أن أولاد يعقوب سموا إسماعيل بكونه أبا ليعقوب مع أنه كان عما له . وقال عليه السلام : « ردوا علي أبي » يعني العم العباس وأيضا يحتمل أن آزر كان والد أم إبراهيم عليه السلام وهذا قد يقال له الأب . والدليل عليه قوله تعالى : وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ داوُدَ وَسُلَيْمانَ إلى قوله : وَعِيسى [ الأنعام : 84 ، 85 ] فجعل عيسى من ذرية إبراهيم مع أن إبراهيم عليه السلام كان جدا لعيسى من قبل الأم . وأما أصحابنا فقد زعموا أن والد رسول اللَّه كان كافرا وذكروا أن نص الكتاب في هذه الآية تدل على أن آزر كان كافرا وكان والد إبراهيم عليه السلام . وأيضا قوله تعالى : وَما كانَ اسْتِغْفارُ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ إلى قوله : فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ [ التوبة : 114 ] وذلك يدل على قولنا ، وأما قوله وَتَقَلُّبَكَ فِي